سید محمد صادق علم الهدی

مدرس سطوح عالی حوزه علمیه

ورود اعضا

جدیدترین پیام‌ها

بحث تحديد النسل والإكثار منه من البحوث المهمة في المجتمع، وفي هذا الحوار مع الأستاذ السيد محمد صادق علم الهدى أستاذ الحوزة العلمية في قم حاولنا أن نقارب هذا البحث الفقهي الاجتماعي الحساس فكانت هذه الإضاءات.

س- ما هو موقف الإسلام في موضوع تحديد النسل أو زيادته؟

 

ينبغي أن أذکر في البداية بالفرق بين حفظ النسل وتكثيره، فالأول واجب کفائي مؤکد على المسلمين ، وأي نوع من السياسة يهدد أجيال المسلمين ويعرضهم لخطر الانقراض مرفوض بشكل قطعي.

أما مسألة تكثير النسل أو زيادة السكان فليست واجبة على الرغم مما قد يمکن أن يتصور ظهور الوجوب فيه من بعض الروايات الواردة في هذا الباب لاستفادتها من صيغة الأمر أو أمثال ذلك  ولكن الإجماع والقرائن الموجودة في هذه الأخبار تحول دون ذلك الظهور.
کما أنه لا دليل على حرمة تحديد النسل، وبناء على ذلك فمسألة تكثير المواليد أو تحديدها ــ وفقاً لتعبير بعض الفقهاء ــ تعد من مناطق الفراغ ، ويد الفقيه مطلقة فيها ليصدر حكماً ثانوياً بناء على مقتضيات الزمان والمكان وفقاً لمصالح المسلمين الحالية.
وبغض النظر عن الحكم الثانوي لتكثير النسل فهناك أصناف عديدة من الروايات تدل بنحو مباشر أو غير مباشر على استحباب التكاثر بعنوان الحكم الأوّلي.

س- نرجو بيان هذه الأدلة إذا أمكن ذلك؟

تمكن الإشارة الإجمالية إلى عدة أقسام من هذه الروايات : الروايات التي تشجع المسلمين على الزواج ، وفلسفتها هي ولادة الأبناء : ( تناكحوا تناسلوا ..) ، واعتبرت بعض الروايات المرأة الولود من المميزات الحسنة في النساء : ( خير النساء الولود الودود ) ، ونهت عن الزواج بالنساء العقيمات : ( اجتنب العقيم من النساء وإن كانت حسناء جميلة المنظر).
کما خصص ثواب عجيب لمن يسعى في زواج شخصين : (من عمل في تزويج حلال حتى يجمع الله بينهما زوّجه الله من الحور العين و كان له بكل خطوة خطاها وكلمة تكلم بِها عبادة سنة).
وشجعت مجموعة من الروايات المسلمين لزيادة العلاقات الزوجية المحللة التي تعد مقدمة للتكاثر والإنجاب : (.. من خصال الأنبياء .. کثرة الطروقة ) ، وذكرت مجموعة أخرى ثواباً عظيماً للأم في مرحلة الحمل والرضاع وتربية الأبناء ، ووصفت لها مقاماً سامياً لا يضاهى حينما قالت : ( الجنة تحت أقدام الأمهات).
قسم آخر من الروايات اعتبرت سعي الوالد لتوفير لقمة العيش الحلال لأسرته کالجهاد في سبيل الله : ( من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على عياله ونفسه كان كالمجاهد في سبيل الله).
في حين صرحت روايات نبوية متواترة من طريق السنة والشيعة بالحث والتشجيع على تكثير الأبناء وعدتهم مدعاة لفخر رسول الله ( صلى الله عليه وآله) يوم القيامة على سائر الأنبياء والأمم : ( أکثروا الولد أکاثر بكم غداً ) أو ( تناكحوا تناسلوا تكثــّروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو بالسقط ) . إن مجموع هذه الروايات يدل بوضوح على استحباب التكاثر وزيادة الأولاد.

س- ما هو أثر مجموع هذه الروايات وما هي مفاعيلها؟

لمعرفة أن تكثير الأبناء مستحب بنحو مطلق أم مقيد بشرط أو عدة شروط يجب الرجوع مجدداً إلى الأدلة الشرعية، وبمراجعة مجموعة أخرى من الروايات يمكن استنباط أن الاستحباب ليس مطلقاً بل مقيد بالحفاظ على النوعية.
فمن مجموع الروايات المشجعة على التكاثر والتناسل و من بقية الروايات نرى أن الإسلام قد أخذ بنظر اعتباره الجانب النوعي ــ سواء كان من الناحية الجسمية أو المعنوية والروحية ــ إلى جانب الزيادة العددية ، والمستحب في الحقيقة هو النسل السالم الصالح.
والروايات التي تدل على ذينك الشرطين كثيرة جداً، وسنشير هنا إلى عدة أقسام منها لنثبت أن الإسلام لا يسعى وراء مجرد زيادة النفوس بدون التركيز على نوعيتها:
- الأدلة التي تبين أن الإسلام يطالب بالولد في إطار الشرع ، ومن عقدت نطفته في أثناء الدورة الشهرية أو نتيجة لعلاقة غير مشروعة فالإسلام لا يرغب فيه.
- الروايات التي توضح أن فلسفة الزواج هي ملء الأرض من المسبّحين والمهللين : ( ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً لعلّ الله يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله).
- الروايات التي تؤكد على اختيار زوجة صالحة من أسرة جيدة : (انظر في أي شيء تضع ولدك فإن العرق دسّاس).
- ثم الإرشادات الوافرة الدقيقة في اختيار الزمان والمكان والأسلوب السليم لمواقعة الزوجة من أجل ضمان سلامة جسمية وروحية للطفل، أو الأخبار الكثيرة التي تذکر الآباء بأهمية اللقمة الحلال وتأثيرها في السلامة الروحية وحسن العاقبة للأبناء.
- الوصايا المتزايدة للأمهات في مرحلة الحمل والرضاع ، فمثلا ورد في القرآن الكريم أن مدة الرضاع أربعة وعشرون شهراً كاملة : { وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُن حَوْلَيْنِ کامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِم الرضاع } ــ البقرة / 233 ، ولقمان /14 ــ ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن مرحلة الحمل المتعارفة تسعة أشهر، وأن الرضاعة غير ممكنة أو غير مرغوب فيها خلال وقت الحمل، فيمكن الاهتداء من الآية إلى أن أفضل مدة فاصلة بين مولودين هي ثلاثة وثلاثون شهراً على أقل تقدير، وهذا من الإرشادات القرآنية في باب تنظيم النسل.
- إضافة إلى أنّ ما مر من عنوان (الولد الصالح) أو (النسل الصالح) له منزلة خاصة في النصوص الدينية : (الولد الصالح ريحانة من الله) ، ومن هنا اعتبر الله تعالى أن الأرض إرث للصالحين :{.. أَن الأرْضَ يَرِثُها عِبادِي الصالِحُونَ} الأنبياء/105
وحتى لو اکتفينا بعمدة دليل استحباب التكاثر وهي الأخبار الدالة على افتخار الرسول ( صلى الله عليه وآله) بكثرة أبناء أمته فسيؤدي بنا إلى المعنى المذكور، لأن الأمة غير الصالحة ليست مدعاة للفخر مهما کثر عددها.
مجموع هذه الآيات والروايات يشير إلى أن الله تعالى يعني الولد السالم روحياً وجسدياً لا مجرد زيادة أعداد المواليد بدون نوعيتها، وبناء عليه فاستحباب الإكثار من الأبناء مناط بالحفاظ على نوعيتهم الجيدة، وهذا قد يناط أحياناً بتحديد الإنجاب وعدم الإكثار منهم بدون تنظيم.

س- ما هو رأي الإسلام في تحديد النسل وتنظيم الأسرة؟

تنظيم النسل سياسة اجتماعية عالمية تجيز للوالدين ــ تطوعاً ووفقاً لاستطاعتهما ورغبتهما ــ اتخاذ قرار بمنع الحمل والاستفادة من وسائله الخاصة لرفع المستوى الصحي والمعيشي لأبنائهما.
إذا نظرنا إلى هذه المقولة من زاوية الفقه الإسلامي فعلينا أن نراجع روايات كثيرة في جواز العزل ، منها : (لا بأس بالعزل عن المرأة) . وهو في رأي اليهود بمنزلة الوأد ، ولكنه جائز في الإسلام وفقاً لهذه الروايات وباتفاق علماء الشيعة والسنة ، وأكثر الفقهاء تشدداً فقط هم من اعتبر جوازه في الزواج الدائم مشروطاً برضا المرأة ، أو اشترطه في ضمن العقد.
وربما يقصد من العزل مطلق منع الحمل، إذ كان طريقه الوحيد هو الاتصال غير الكامل بمنع إراقة مني الرجل في رحم المرأة، ولكن التقدم التكنولوجي والطبي في الوقت الحاضر وفر وسائل متطورة لهذا الغرض.
ولو اعتبرنا العزل بمعنى الاتصال غير الكامل فيمكن أيضاً الاستدلال بفحوى روايات العزل على جواز الطرق الحديثة لمنع الحمل، لأنه إذا كان العزل جائزاً بالطرق القديمة على ما فيها من نتائج روحية ونفسية سيئة للطرفين وخصوصاً على المرأة، فالطرق الحديثة جائزة بطريق أولى لافتقارها إلى تلك النتائج أو انخفاض نسبة وقوعها، على الرغم من كفاية أصل الإباحة والحلية على الحكم بجواز منع الحمل.
ومن الطبيعي أن لا تجوّز بعض الأساليب المستلزمة للعقم الدائم أو لنظر الغريب نظراً محرماً إلى الجهاز التناسلي.
إن إطلاق أدلة جواز العزل وعدم ورود حدّ بشأنها تمنح الأسرة إجازة الامتناع عن الإنجاب إلى آخر عمرها.
هذا وقد عقد العلامة المجلسي في موسوعته العظيمة بحار الأنوار باباً باسم «فضل التوسعة على العيال ومدح قلة العيال‏»، وبعض روايات هذا الباب أثنت على الأسرة الصغيرة، وهي بالدلالة الالتزامية شاهد على جواز منع الحمل والتحكم بالمواليد.

س- هل يمكن للحكومة أن تروّج لثقافة تحديد النسل؟

الأصل الأوّلي أن تشجع الحكومة الإسلامية الإنجاب وتكثير النسل وفقاً للأدلة المبينة مع الحفاظ على النوعية، ولأنّ الإسلام دين العقل والنّظم والتوازن والتعادل فهو يأخذ بنظر الاعتبار المصالح الكلية للمجتمع الإسلامي، وبناء عليه؛ إذا قام أهل الخبرة بدراسة دقيقة وتوصلوا إلى أنّ مستوى زيادة النسل لا يتلاءم مع مخزون المياه أو الثروات الطبيعية والبيئة أو أنّه يتسبب في المشاكل الغذائية والصحية والتعليمية والسكنية وتوفير فرص العمل ، وهذا يضطر الحكومة إلى اتخاذ سياسات التحكم في النسل وتقليلها، فالإسلام يرى جواز ذلك بنحو مؤقت ومحدد.
وينبغي التنبيه على عدم الترويج لهذه السياسات بأساليب كلية عمياء، بل يروج لها بنحو ذكي يراعي خصوصيات المنطقة وظروفها.

اضافه کردن نظر

لینک های حوزوی

اوقات شرعی